القاضي عبد الجبار الهمذاني
323
المغني في أبواب التوحيد والعدل
الايمان . وكل قول يؤدى إلى الخروج من اجماعهم ، فيجب أن يكون باطلا . فان قلتم : انّه تعالى انما شاء العطية قبل حلف هذا الحالف ، حيث أمره بقضاء الحقوق ، ولم تحدث الآن مشيئة / عند العطية ، فلذلك لم يحنث في يمينه ؟ قيل لكم : انّ تقدمها لا يخرجه تعالى من أن يكون شائيا ، ويوصف بذلك في الحال ، فيجب كونه حانثا . ولو منع تقدم المشيئة من كونه حانثا ، لمنع من أن يصح الاستثناء أصلا ، لأنه لا وجه لقوله : « ان شاء اللّه » ، وقد شاء . فإذا لم يؤثر في الاستثناء وصحته « 1 » ، فكذلك لا يؤثر في وقوع الحنث . وليس لكم أن تقولوا : انّ الشرع أخرجه من كونه حانثا ، فلذلك لم تلزمه الكفارة ، لأن ذلك لو صحّ ، لصح أن يخرجه من كونه كاذبا . وقد علم انّ الشرع لا يغيّر حقائق الصدق والكذب . قالوا : ويبين ذلك قوله سبحانه : « وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ » « 2 » فلو كان قد يفعل ما لا يشاء ، وقد يشاء ما لا يفعل ، لوجب أن يكون آمرا له بالكذب ، لأنه أمره بأن يخبر أنه لا يفعل الا ما يشاء اللّه . وقد يجوز أن يفعل ما لا يشاؤه ، فإذا بطل ذلك ، علم ودل على أنه أمره بذلك ، من حيث لا يقدم على أمر الا بمشيئة اللّه . وليس لكم أن تقولوا انه خطاب للرسول صلى اللّه عليه ، وهو لا يفعل الا ما شاء اللّه ، لأنه قد يفعل الصغائر عندكم والمباحات ، ولأنه تأديب لنا ،
--> ( 1 ) الاستثناء وصحته : صحة الاستثناء ط ( 2 ) الكهف 18 / 24